حول الفتنة في الجزائر
الكاتب : صلاح الصاوي | القسم : أصداء سياسية

السؤال الأول : تشهد إحدى مناطق الجزائر تسمى منطقة الميزاب أو غرداية فتنة طائفية لم يسبق لها مثيل , أدت إلى إزهاق بعض الأرواح و تخريب العديد من الممتلكات العمومية و الخاصة. و الأكثر من ذلك أنها زرعت روح العداوة و الكراهية و الشحناء بين أبناء الدين الواحد و الأمة الواحدة . هذه الفتنة تدور رحاها بين الطائفة المالكية العرب و الإباضية الأمازيغ . البعض يعتقد أنها عرقية بحتة لا دخل للدين فيها و البعض الآخر يرى أنها بين أتباع مذهبين . فهل من كلمة حق و نصيحة خالصة لأبناء الأمة حول هذه الأحداث , علما بأن هناك مساع حثيثة من بعض أهل العلم و الصلاح في الجزائر تدعو إلى التعقٌل و تحكيم منطق الشريعة و الحكمة. بارك الله فيكمبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإننا نتفهم وجود خلافات مذهبية بين في إطار الملة الواحدة، فذلك من جملة الأقدار التي منيت بها هذه الأمة، بل منيت بها الأمم من قبلها كذلك، فإن أهل الكتابين افتَرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ولكننا أمرنا بمدافعة هذا القدر، وذلك برد ما تنازعنا فيه إلى الله ورسوله، وبالدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وبأن نقبل النصيحة على أي حال، وأن نقدمها في أحسن حال! وإن الإسلام ليتفهم حقيقة التنوع والاختلاف في حياة البشر بصفة عامة، ولا يضيق بواقع التعددية القائم بينهم، بل يدعو إلى عموم التعاون على البر والتقوى، وينهى عن عموم التعاون على الإثم والعدوان، ويؤكد على أهمية التعارف والتكامل بين أبناء المجتمع الواحد.إن الفرق المخالفة للسنة في بعض الأصول العقدية ليست سواء، وإن المنتسبين إليها ليسوا سواء كذلك، وإن من الظلم أن تنظم الجميع في نسق واحد، وأن تحملهم جريرة مقولات واختيارات عقدية أو فقهية لعلهم لم يسمعوا بها، ولم يدينوا بها ساعة من نهار!لقد عشنا مع نفر هؤلاء في بعض مناطق الولايات المتحدة، وظلوا بيننا قرابة ربع قرن أو يزيد، يصلون صلاتنا، ويستقبلون قبلتنا، ويأكلون ذبيحتنا، ويقتدون بأئمتنا، ويتعلمون من كتبنا، بلا حريجة ولا تحفظ، حتى منينا بمن أيقظ هذه الفتنة، ونفخ في كيرها، فأيقظ الشيطان الرابض في أعماق النفس الأمارة بالسوء! ومس تجمعنا طائف من هذه الفتنة، وما كان أغنانا عن ذلك! وكم من قاصد للخير لا يصيبه! وكادت هذه الفتنة أن تقضي على هذا التجمع الرباني! لولا أن قيض الله لنا من طوقها بحكمته وأطفأ سعيرها برشده وبصيرته! وقد نص ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم الطرق الحكمية على تفاوت المنتسبين إلى هذه الفرق فقال: ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية، وغلاة المرجئة ونحوهم؛ فهؤلاء أقسام :أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا.القسم الثاني : المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى رُدَّتْ شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته.القسم الثالث : أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدًا وتعصبًا أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهاداتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة.)ولما كان السواد الأعظم من المنتسبين إلى هذه الفرق في واقعنا المعاصر من النوع الأول، الذين وصفهم ابن القيم بقوله: (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا) فإن من الفتنة والبغي الذي يسخطها الله ورسوله استدعاء مقولات اهل العلم في الأئمة والمنظرين لتطبيقها على العامة واشباه العامة! ولقد سعى علي بن ابي طالب مع من هم أشد من الإباضية غلوا وخروجا عن السنة: لقد سعى مع الخوارج الغلاة ليستوعبهم في إطار جماعة المسلمين، بعد ان استنفد معهم طرق الحوار وإقامة الحجة، فقال لهم: الا إن لكم عندي ثلاث خصال ما كنتم معنا: لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا، أو قال: ولا نبدأكم بقتال ما لم تقطعوا السبيل وتسفكوا الدم الحرام!ولا يخفى أن من الثوابت الشرعية والوطنية والسياسية سلمية الحوار المجتمعي بين كل تياراته وأطيافه، وتجريم اللجوء إلى العنف أو حمل السلاح بأي شكل من الأشكال، فإن شق اللحمة الوطنية جريمة في حق الدين والمجتمع! إخوتنا في الجزائر:إن هذا الذي يجري إن خالطه شوب من العصبية، وحمية الجاهلية، كان فتنة في الدين، وارتكاسة إلى أسفل سافلين! لا تليق بجهاد الشعب الجزائري وتاريخه، وهو الذي هزم بالولاء للإسلام جحافل المستعمرين، وقدم في سبيل ذلك أرتالا من الشهداء! وعلم الدنيا كيف تنتصر اللحمة الإسلامية على كل دعوات الفتنة الجاهلية! ولم لا؟ وهو يحفظ عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله (ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم! قالوا يا رسول الله وإن صام وإن صلى؟ قال وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم! فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل)وإن كان الباعث عليه حمية مذهبية فإن هذا ليس من الرشد في شيء، ولا تنصر بمثله السنة، ولا يزيد المخالف لها إلا تمترسا في موقعه، وتشبثا بخندقه، وإمعانا في إدباره وعناده! ولقد كان لمحبكم تجربة في بعض المناطق التي تشهد توترا بين السنة والشيعة، وقد آسفه في هذه المرحلة ما كان يقع على على هذه الأرض من مسلسل إحراق المساجد بين السنة والشيعة، وما استتبعه ذلك من مسلسل الدماء المراقة بين الفريقين، وقد أتيح له أن يجري حوارات مباشرة مع بعض المتسببين إلى منظمة جنود الصحابة التي كانت تمثل جانب السنة في هذا المسلسل الأسيف، وكان السؤال الذي يطرحه على مسامعهم دائماً: ما هي الغاية من هذه الشراسة في المواجهة، والتي تتلون دائما بلون الدماء المراقة من كلا الجانبين؟! وهل تعينت هذه الشراسة طريقا لتحقيق هذه الغايات؟! هل تعينت الدماء سبيلا إلى توعية أهل السنة بخطورة التشيع وتحذيرهم من ضلالاته وشذوذاته؟! هل تريدون مثلا أن يتبنى مجتمعكم ومؤسساته الرسمية بذلك تكفير الشيعة عموما علماء وعامة؟ واعتبارهم من الفرق المرتدة كما فعل مع القاديانية من قبل؟! إن هذا المطمح - إن كان - لا سيبل إلى تحقيقه، فإن أهل السنة لم يجمعوا على هذا القول، وخلافاتهم في تكفير أئمة القوم مشهورة ومتواترة! وإن كنتم تريدون القضاء عليهم، واستئصال شأفتهم، فلا سبيل إلى ذلك كذلك، فلم يحدث عبر التاريخ الإسلامي أن استئصلت فرقة من الوجود بالكلية مهما بلغت ضلالاتها وشذوذاتها! ثم لتغير خارطة المجتمع الدولي، فإن للقوم دولة تشد أزرهم، وتظاهرهم على باطلهم، ولها من القوة والنفوذ ما لا ينكر أثره، وهي دولة جوار وحدود مع دولتكم، ولحكومة بلادكم - شأنها شأن غيرها من الحكومات - حساباتها وموازناتها، لم يبق إذن إلا تحذير أهل السنة من هذه البدع، وتلك غاية لم تتعين الدماء سبيلاً إلى تحقيقها! تحدثوا عن بدع القوم كما تشاءون، ألفوا الكتب في الرد عليهم كما تشاءون، ولكن لا يبلغ الأمر بكم هذا المبلغ! فلا بديل إذن من الحوار الجاد - في إطار الإيمان بالله ورسله - لاكتشاف المشتركات الدعوية والتعاون عليها، والتفاهم والتناصح حول قضايا التباين الأخرى، لا سيما في أزمنة الفتن ، وذلك لتطويق الاحتقانات الطائفية والفكرية بين شركاء الوطن الواحد، التي تنشئها القراءات المتعجلة والفهم المغلوط، وإذا كان هذا سبيلا مشروعا مع أبناء الملل الأخرى للتعاون على المشتركات الإنسانية والمصالح الحياتية رغم الاختلاف في أصول الملل والنحل، فكيف بأبناء الملة الواحدة، حيث الكتاب الواحد، والرسول الواحد، والقبلة الواحدة، والأمة الواحدة؟!إخوتنا في الجزائر:إن الحاجة إلى ترتيب البيت الجزائري الكبير حاجة ماسة! بل ضرورة ملجئة، لاسيما في أوقات الفتن والاحتقانات! واللحظات الفارقة في تاريخ الأمم والشعوب! وذلك من خلال الالتقاء على عهدة وطنية، أو ميثاق شرف للعمل الوطني، يجسد هدي الإسلام في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، ويرسخ معالم التعايش، في ظل تعددية دينية وسياسية وفكرية، ويحمي الحق في المحافظة على الخصوصيات والثوابت من جهة، ويرعى اللحمة الوطنية وتماسك النسيج الوطني للدولة والمجتمع من جهة أخرى، ويترجم هذا كله إلى مفردات سياسية وحقوقية واجتماعية وأخلاقية في واقعنا المعاصر.هذا ولا تقتضي اللحمة الوطنية، والتعاون على المشتركات الحضارية، التفريط في الثوابت الدينية، ولا التلفيق بين الملل والنحل، إذ لا يلزم للتعاون على المشتركات الحضارية أن يكفر أحد الفريقين بثوابته ليلتقي مع الآخر! وإنما يعني التعاون على ما فيه خير الإنسان وحفظ كرامته وحماية حقوقه، ورفع الظلم ورد العدوان عنه، وحل مشكلاته، وتوفير العيش الكريم له، وهي مبادئ مشتركة جاءت بها الرسالات الإلهية، وأقرتها الدساتير الوضعية، وإعلانات حقوق الإنسان الدولية، فالتواصل يجري وفق القاعدة القرآنية: ? لكم دينكم ولي دين? [الكافرون:6 ]إخوتنا في الجزائرإن السعيد من وعظ بغيره! وقد رأيتم ما جرته الفرقة والفتن من حولكم في بعض مواقع الربيع العربي، حيث تنازعوا ففشلوا وذهب ريحهم! فادفعوا عن أنفسكم شرر هذه الفتنة! وكونوا من العقلاء الحكماء الذين يرون الفتنة عند إقبالها فيتقونها! ولا تكونوا من الذين لا يرون الفتنة إلا عند إدبارها وقد أحالتهم إلى شظايا وأشلاء! فإن الفتن إذا أقبلت لا يعرفها إلا القليل! وإذا أدبرت عرفها الجميع!!اللهم أبرم لإخوتنا في الجزائر أمر رشد تجمع به كلمتهم على الحق الذي يرضيك، وتصرف به عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن! اللهم آمين
المصدر
اسلامى,شرح,ادب,ابداع,منوعات,اسلامية,
حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر
from منتديات الإسلام اليوم http://ift.tt/1fuVT7i
via موقع الاسلام
الكاتب : صلاح الصاوي | القسم : أصداء سياسية
السؤال الأول : تشهد إحدى مناطق الجزائر تسمى منطقة الميزاب أو غرداية فتنة طائفية لم يسبق لها مثيل , أدت إلى إزهاق بعض الأرواح و تخريب العديد من الممتلكات العمومية و الخاصة. و الأكثر من ذلك أنها زرعت روح العداوة و الكراهية و الشحناء بين أبناء الدين الواحد و الأمة الواحدة . هذه الفتنة تدور رحاها بين الطائفة المالكية العرب و الإباضية الأمازيغ . البعض يعتقد أنها عرقية بحتة لا دخل للدين فيها و البعض الآخر يرى أنها بين أتباع مذهبين . فهل من كلمة حق و نصيحة خالصة لأبناء الأمة حول هذه الأحداث , علما بأن هناك مساع حثيثة من بعض أهل العلم و الصلاح في الجزائر تدعو إلى التعقٌل و تحكيم منطق الشريعة و الحكمة. بارك الله فيكمبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإننا نتفهم وجود خلافات مذهبية بين في إطار الملة الواحدة، فذلك من جملة الأقدار التي منيت بها هذه الأمة، بل منيت بها الأمم من قبلها كذلك، فإن أهل الكتابين افتَرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ولكننا أمرنا بمدافعة هذا القدر، وذلك برد ما تنازعنا فيه إلى الله ورسوله، وبالدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وبأن نقبل النصيحة على أي حال، وأن نقدمها في أحسن حال! وإن الإسلام ليتفهم حقيقة التنوع والاختلاف في حياة البشر بصفة عامة، ولا يضيق بواقع التعددية القائم بينهم، بل يدعو إلى عموم التعاون على البر والتقوى، وينهى عن عموم التعاون على الإثم والعدوان، ويؤكد على أهمية التعارف والتكامل بين أبناء المجتمع الواحد.إن الفرق المخالفة للسنة في بعض الأصول العقدية ليست سواء، وإن المنتسبين إليها ليسوا سواء كذلك، وإن من الظلم أن تنظم الجميع في نسق واحد، وأن تحملهم جريرة مقولات واختيارات عقدية أو فقهية لعلهم لم يسمعوا بها، ولم يدينوا بها ساعة من نهار!لقد عشنا مع نفر هؤلاء في بعض مناطق الولايات المتحدة، وظلوا بيننا قرابة ربع قرن أو يزيد، يصلون صلاتنا، ويستقبلون قبلتنا، ويأكلون ذبيحتنا، ويقتدون بأئمتنا، ويتعلمون من كتبنا، بلا حريجة ولا تحفظ، حتى منينا بمن أيقظ هذه الفتنة، ونفخ في كيرها، فأيقظ الشيطان الرابض في أعماق النفس الأمارة بالسوء! ومس تجمعنا طائف من هذه الفتنة، وما كان أغنانا عن ذلك! وكم من قاصد للخير لا يصيبه! وكادت هذه الفتنة أن تقضي على هذا التجمع الرباني! لولا أن قيض الله لنا من طوقها بحكمته وأطفأ سعيرها برشده وبصيرته! وقد نص ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم الطرق الحكمية على تفاوت المنتسبين إلى هذه الفرق فقال: ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية، وغلاة المرجئة ونحوهم؛ فهؤلاء أقسام :أحدها : الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا.القسم الثاني : المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى رُدَّتْ شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته.القسم الثالث : أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدًا وتعصبًا أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهاداتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة.)ولما كان السواد الأعظم من المنتسبين إلى هذه الفرق في واقعنا المعاصر من النوع الأول، الذين وصفهم ابن القيم بقوله: (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا) فإن من الفتنة والبغي الذي يسخطها الله ورسوله استدعاء مقولات اهل العلم في الأئمة والمنظرين لتطبيقها على العامة واشباه العامة! ولقد سعى علي بن ابي طالب مع من هم أشد من الإباضية غلوا وخروجا عن السنة: لقد سعى مع الخوارج الغلاة ليستوعبهم في إطار جماعة المسلمين، بعد ان استنفد معهم طرق الحوار وإقامة الحجة، فقال لهم: الا إن لكم عندي ثلاث خصال ما كنتم معنا: لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا، أو قال: ولا نبدأكم بقتال ما لم تقطعوا السبيل وتسفكوا الدم الحرام!ولا يخفى أن من الثوابت الشرعية والوطنية والسياسية سلمية الحوار المجتمعي بين كل تياراته وأطيافه، وتجريم اللجوء إلى العنف أو حمل السلاح بأي شكل من الأشكال، فإن شق اللحمة الوطنية جريمة في حق الدين والمجتمع! إخوتنا في الجزائر:إن هذا الذي يجري إن خالطه شوب من العصبية، وحمية الجاهلية، كان فتنة في الدين، وارتكاسة إلى أسفل سافلين! لا تليق بجهاد الشعب الجزائري وتاريخه، وهو الذي هزم بالولاء للإسلام جحافل المستعمرين، وقدم في سبيل ذلك أرتالا من الشهداء! وعلم الدنيا كيف تنتصر اللحمة الإسلامية على كل دعوات الفتنة الجاهلية! ولم لا؟ وهو يحفظ عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله (ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم! قالوا يا رسول الله وإن صام وإن صلى؟ قال وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم! فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل)وإن كان الباعث عليه حمية مذهبية فإن هذا ليس من الرشد في شيء، ولا تنصر بمثله السنة، ولا يزيد المخالف لها إلا تمترسا في موقعه، وتشبثا بخندقه، وإمعانا في إدباره وعناده! ولقد كان لمحبكم تجربة في بعض المناطق التي تشهد توترا بين السنة والشيعة، وقد آسفه في هذه المرحلة ما كان يقع على على هذه الأرض من مسلسل إحراق المساجد بين السنة والشيعة، وما استتبعه ذلك من مسلسل الدماء المراقة بين الفريقين، وقد أتيح له أن يجري حوارات مباشرة مع بعض المتسببين إلى منظمة جنود الصحابة التي كانت تمثل جانب السنة في هذا المسلسل الأسيف، وكان السؤال الذي يطرحه على مسامعهم دائماً: ما هي الغاية من هذه الشراسة في المواجهة، والتي تتلون دائما بلون الدماء المراقة من كلا الجانبين؟! وهل تعينت هذه الشراسة طريقا لتحقيق هذه الغايات؟! هل تعينت الدماء سبيلا إلى توعية أهل السنة بخطورة التشيع وتحذيرهم من ضلالاته وشذوذاته؟! هل تريدون مثلا أن يتبنى مجتمعكم ومؤسساته الرسمية بذلك تكفير الشيعة عموما علماء وعامة؟ واعتبارهم من الفرق المرتدة كما فعل مع القاديانية من قبل؟! إن هذا المطمح - إن كان - لا سيبل إلى تحقيقه، فإن أهل السنة لم يجمعوا على هذا القول، وخلافاتهم في تكفير أئمة القوم مشهورة ومتواترة! وإن كنتم تريدون القضاء عليهم، واستئصال شأفتهم، فلا سبيل إلى ذلك كذلك، فلم يحدث عبر التاريخ الإسلامي أن استئصلت فرقة من الوجود بالكلية مهما بلغت ضلالاتها وشذوذاتها! ثم لتغير خارطة المجتمع الدولي، فإن للقوم دولة تشد أزرهم، وتظاهرهم على باطلهم، ولها من القوة والنفوذ ما لا ينكر أثره، وهي دولة جوار وحدود مع دولتكم، ولحكومة بلادكم - شأنها شأن غيرها من الحكومات - حساباتها وموازناتها، لم يبق إذن إلا تحذير أهل السنة من هذه البدع، وتلك غاية لم تتعين الدماء سبيلاً إلى تحقيقها! تحدثوا عن بدع القوم كما تشاءون، ألفوا الكتب في الرد عليهم كما تشاءون، ولكن لا يبلغ الأمر بكم هذا المبلغ! فلا بديل إذن من الحوار الجاد - في إطار الإيمان بالله ورسله - لاكتشاف المشتركات الدعوية والتعاون عليها، والتفاهم والتناصح حول قضايا التباين الأخرى، لا سيما في أزمنة الفتن ، وذلك لتطويق الاحتقانات الطائفية والفكرية بين شركاء الوطن الواحد، التي تنشئها القراءات المتعجلة والفهم المغلوط، وإذا كان هذا سبيلا مشروعا مع أبناء الملل الأخرى للتعاون على المشتركات الإنسانية والمصالح الحياتية رغم الاختلاف في أصول الملل والنحل، فكيف بأبناء الملة الواحدة، حيث الكتاب الواحد، والرسول الواحد، والقبلة الواحدة، والأمة الواحدة؟!إخوتنا في الجزائر:إن الحاجة إلى ترتيب البيت الجزائري الكبير حاجة ماسة! بل ضرورة ملجئة، لاسيما في أوقات الفتن والاحتقانات! واللحظات الفارقة في تاريخ الأمم والشعوب! وذلك من خلال الالتقاء على عهدة وطنية، أو ميثاق شرف للعمل الوطني، يجسد هدي الإسلام في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، ويرسخ معالم التعايش، في ظل تعددية دينية وسياسية وفكرية، ويحمي الحق في المحافظة على الخصوصيات والثوابت من جهة، ويرعى اللحمة الوطنية وتماسك النسيج الوطني للدولة والمجتمع من جهة أخرى، ويترجم هذا كله إلى مفردات سياسية وحقوقية واجتماعية وأخلاقية في واقعنا المعاصر.هذا ولا تقتضي اللحمة الوطنية، والتعاون على المشتركات الحضارية، التفريط في الثوابت الدينية، ولا التلفيق بين الملل والنحل، إذ لا يلزم للتعاون على المشتركات الحضارية أن يكفر أحد الفريقين بثوابته ليلتقي مع الآخر! وإنما يعني التعاون على ما فيه خير الإنسان وحفظ كرامته وحماية حقوقه، ورفع الظلم ورد العدوان عنه، وحل مشكلاته، وتوفير العيش الكريم له، وهي مبادئ مشتركة جاءت بها الرسالات الإلهية، وأقرتها الدساتير الوضعية، وإعلانات حقوق الإنسان الدولية، فالتواصل يجري وفق القاعدة القرآنية: ? لكم دينكم ولي دين? [الكافرون:6 ]إخوتنا في الجزائرإن السعيد من وعظ بغيره! وقد رأيتم ما جرته الفرقة والفتن من حولكم في بعض مواقع الربيع العربي، حيث تنازعوا ففشلوا وذهب ريحهم! فادفعوا عن أنفسكم شرر هذه الفتنة! وكونوا من العقلاء الحكماء الذين يرون الفتنة عند إقبالها فيتقونها! ولا تكونوا من الذين لا يرون الفتنة إلا عند إدبارها وقد أحالتهم إلى شظايا وأشلاء! فإن الفتن إذا أقبلت لا يعرفها إلا القليل! وإذا أدبرت عرفها الجميع!!اللهم أبرم لإخوتنا في الجزائر أمر رشد تجمع به كلمتهم على الحق الذي يرضيك، وتصرف به عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن! اللهم آمين
المصدر
اسلامى,شرح,ادب,ابداع,منوعات,اسلامية,
حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر,حول الفتنة في الجزائر
from منتديات الإسلام اليوم http://ift.tt/1fuVT7i
via موقع الاسلام

0 التعليقات:
إرسال تعليق