وإنما ابتدأت بتلك الوصايا الفائقات من وصايا رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- وإن كانت مقالاتنا هذه في الأصل تجري على سنن اختيار روائعَ من وصايا الآباء للأبناء؛ لأمرين:
الأول: تبركًا بذكر كلامه -صلى الله عليه وسلم-، ورجاء أن تصيبني دعوته التي دعا بها لمن يبلغ للناس سنته، وينشر مقالته، حيث قال: (( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)).
وفي لفظ: (( رَحِمَ اللهُ مَنْ سَمِعَ... ))[1].
الأمر الثاني: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبٌ لجميع المؤمنين؛ قال ربنا - تبارك وتعالى -: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب:6].
وقد رُوِيَ عن أُبي بن كعب، وابن عباس - رضي الله عنهم - أنهماقرءا: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ﴾.
ورُوي نحو هذا عن معاويةَ، ومجاهد، وعكرمة، والحسن...[2].
وروى الإمام أبو داودَ - رحمه الله - في "سننه "[3] بسند جيد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ...)) الحديثَ.
• • •
الوصية الأولى
عن أَبي ذَرٍّ جُنْدَبِ بنِ جُنَادَةَ - رضي الله عنه - قال: قلت: يارسولَ اللهِ، أوصني، فقال: (( اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ[4])).
أخرجه الترمذيُّ في "جامعه - سننه" (كتاب البر والصلة- باب ما جاء في معاشرة الناس- حديث رقم1987]، وقال: "حديث حسن صحيح"، والإمامُ أحمدُ في "المسند" (ج5ص153،ص158،ص177)، والدارمي في "سننه - مسنده" (كتاب الرقاق- باب في حسن الخلق- حديث رقم (2791)]، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (ج1ص54) وصححه على شرط الشيخين (!)، ووافقه الذهبيُّ في "تلخيص المستدرك"، وله شواهدُ.
• • •
الوصية الثانية
عن أبي العباس عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا، فَقَالَ:
(( يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )).
أخرجه الإمامُ الترمذيُّ في "جامعه"، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حديث رقم (2516)، وقال: (( حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ))، والإمامُ أحمدُ في "المسند" (ج1ص293، 303، 307)، بأرقام (2669، 2763، 2804- ترقيم الشيخ أبي الأشبال أحمد شاكر). وراجع "جامع العلوم والحِكَم" للحافظ ابن رجب الحنبلي (رحمه الله) شرح الحديث التاسعَ عشرَ (19).
• • •
الوصية الثالثة
عن أبي هريرة[5] - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَوْصِنِي، قَالَ: (( لاَ تَغْضَبْ ))، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: (( لاَ تَغْضَبْ )).
أخرجه الإمامُ البخاريُّ في "صحيحه"[6]، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رَقْم (6116).
• • •
الوصية الرابعة
عن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُلَيْمٍ - رضي الله عنه - قال:
رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ[7]، لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ.
قَالَ: (( لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ )).
قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟
قَالَ: (( أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ[8] فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ - أَوْ فَلَاةٍ - فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ)).
قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ.
قَالَ: (( لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا )).
قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا شَاةً.
قَالَ: (( وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ )).
أخرجه الإمام أبو داودَ - رحمه الله - في "سننه"، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار، حديث رقم (4084)، وصحح إسنادَه الإمامُ النوويُّ - رحمه الله - في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (14/140)، وكذا في "رياض الصالحين" (803).
وخرجه الإمامُ الترمذيُّ في "جامعه" (2722) مختصرًا، وقال: (( حديثٌ حسنٌ صحيحٌ )).
• • •
الوصية الخامسة
عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً جاءه فقال: أوصني.فقال: سألتَ عما سألتُ عنه رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- من قبلك، فقال:
(( أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُالْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ، وذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ )).
أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (3/82). وانظر "فيض القدير" (الجزء الثالث - شرح الحديث رقم (2791))، و"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ نور الدين الهيثمي رحمه الله (4/215، 216)، و"السلسلة الصحيحة" للشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله (555).
• • •
الوصية السادسة
عن أبي ذَرٍّ جُنْدَُِبِ بنِ جُنَادَةَ - رضي الله عنه - قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي -صلى الله عليه وسلم- بِخِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ:
(( أَوْصَانِي بِأَنْ لاَ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي[9].
وَأَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ.
وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْأَدْبَرَتْ.
وَأَوْصَانِي أَنْ لاَ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ.
وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا.
وَأَوْصَانِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: " لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ "؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ )).
حديث صحيح: أخرجه ابن حبان (449-إحسان) (2041- موارد الظمآن) واللفظ له، وأحمد(5/159).
• • •
الوصية السابعة
عن أبي يوسفَ عبدِ الله بن سَلَامٍ - رضي الله عنه - قال:
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ )).
حديث صحيح: أخرجه الإمامُ الترمذيُّ في "جامعه" (2485)، وقال: (( حديثٌ صحيحٌ ))، وابنُ ماجه (1334، 3251)، والإمام أحمدُ (5/451)، والدارميُّ في "مسنده" (1460)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، وقال: (( صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه ))، وأقره الإمامُ الذهبيُّ - رحمه الله - في "تلخيص المستدرك".
• • •
الوصية الثامنة
عن أبي نَجِيح العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ:
(( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ )).
حديث صحيح: أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (4/126، 127)، وعنه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجة في "المقدمة" (42، 43، 44)، والدارمي في "المقدمة" (95)، والطبراني في "المعجم الكبير" (18/617، 618،.....)، والآجُرِّيُّ في "الشريعة" (92، 93، 94، 95)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2303، 2304، 2305، 2310)، وابن أبي عاصم في "السنة" (26، 27، 28،.... إلى 34) وغيرهم، وصححه الترمذي، وابن حبان (5)، والحاكم (1/95-97)، والبزارُ، وغيرُهم.
• • •
الوصية التاسعة
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عُمَرَ بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قال:
أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ:
(( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ )).
وكان ابن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - يقول:
(( إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)).
أخرجه الإمامُ البخاريُّ - رحمه الله - في "صحيحه"، كتاب الرِّقَاق، حديث رقم (6416).
• • •
الوصية العاشرة
عن سفيانَ بن عبد الله الثَّقَفِيِّ - رضي الله عنه - قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ (وَفِي لَفْظٍ: غَيْرَكَ )، قَالَ:
(( قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ )).
أخرجه الإمامُ مسلمٌ في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب[10]: جامع أوصاف الإسلام، حديث رقم (38).
[1] حديثٌ صحيحٌ: أخرجه الإمام الترمذي في "جامعه - سننه" ( كتاب العلم – باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع)، حديث رَقْم (2657)، وقال: (( حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ))، وابنُ ماجة في "مقدمة سننه" (232)، باب: مَن بلغ علمًا، والإمام أحمد في "المسند" (1/437) رقم (4157- شاكر)، وصححه ابنُ حبان (66، 69- إحسان)، واللفظ الآخر له برقم (68)، من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. والحديث رمز السيوطيُّ له بالصحة في "الجامع الصغير" (9263). وانظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" للسيوطي (ص452) ط/ دار الحديث، و"فيض القدير شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي (ج6ص375) ط/ مكتبة مصر، و"نظم المتناثر من الحديث المتواتر" للكتاني (ص42) رقم (3) ط/ دار الكتب العلمية.
تنبيه: هذا الحديث عزاه الحافظُ المنذريُّ في "الترغيب والترهيب" لأبي داود، وتبعه الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ في "مختصر الترغيب"، ولم أقف عليه عنده في النسخ الموجودة منه بين أيدينا، وهي من رواية اللؤلؤي، فلعله في رواية ابن العبد أو غيره لـ"سنن أبي داود"، والله أعلم.
[2] انظر "تفسير القرآن العظيم" للعماد ابن كثير (6/175) ط/ الصفا، و"الدر المنثور في التفسير بالمأثور" للحافظ جلال الدين الأسيوطي (11/729-730) ط/ الدكتور عبد الله التركي، مركز هجر للبحوث.
[3] الحديث الثامن منه.
[4] الخُلُق: عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورَوِيَّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعالُ الجميلةُ المحمودةُ عقلاً وشرعًا - سُمِّيَتْ تلك الهيئةُ خلقًا حسنًا، وإن كان الصادرُ عنها الأفعالَ القبيحةَ - سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا. قال الإمام أبو حامد الغَزَّاليُّ - رحمه الله - في "الإحياء" (3/58) ط/ دار الكتب.
[5] اختُلف في اسم أبي هريرة - رضي الله عنه - على أكثرَ من ثلاثين قولاً، أصحها: عبد الله بن عمرو، و: عبد الرحمن بن صخر.
[6] وسم البخاريُّ كتابه بـ"الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه"، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله - عز وجل - وإن رغمت أنوف الحَقَدَةِ.
[7] أي: يرجعون عن رأيه، أي: يرجعون إلى ما يظهر من صدره من الرأي الذي يرشدهم إليه، وقوله: (( لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ ))) أي: بعد سماعه كما يصدر الوارد عن الورد بعد الذي يشرب من مائه. ا.هـ من "دليل الفالحين" لابن علان (ج3ص279) ط/ دار الفكر.
[8] أي: عام شدة ومجاعة. قال الإمام المنذريُّ - رحمه الله - في "ترغيبه": (( السنة: هي العام القحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا، سواء نزل غَيْثٌ أم لا )).
[9] هذا في أمر الدنيا ؛ فإنه أجدر أن لا يزدري العبدُ نعمة اللهِ عليه، أما في أمر الآخرة فلينظر الإنسان إلى مَن هو فوقه. والله أعلم.
[10] فائدة: تراجم أبواب "صحيح مسلم" ليست من وضع الإمام مسلمٍ نفسِهِ، إنما هي من صنيع بعض مَن تناول كتابه إما بتهذيب وإما بشرح، كالإمام المنذري، وعدل بعضها الإمام النووي، حتى استقر الأمر على ما اعتمده هذا الأخير، وتتابع الناس على اعتماد تراجمه لأبواب الكتاب، وأساء بعضهم فطبع تراجم الأبواب في صلب الصحيح من غير ما تنبيه على أصل وضعها، فظن كثيرون أنها من صنع الإمام مسلم - رحمه الله -، وليس كذلك.
عن عبد الله بن عمرو بن العاصي[1] - رضي الله عنهما - قال، قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ[2]: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ:
• آمُرُكَ بِـ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"؛ فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ[3]، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" فِي كِفَّةٍ؛ رَجَحَتْ بِهِنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ". وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ".
وَ "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ"[4]، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ.
• وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ )).
أخرجه في أثناء حديثٍ: الإمامُ أحمدُ في " المسند " (2/169-170)، والبخاريُّ في "الأدب المفرد" حديث رَقْم (548)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (1/49)، وصحح إسنادَه العمادُ ابنُ كثير - رحمه الله - في " البداية والنهاية " (1/119). وانظر "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ نور الدين الهيثمي - رحمه الله - (4/219-220).
• • •
الوصية الثانية عشرة (12)
وصية النبيين الكريمين إبراهيمَ ويعقوبَ - صلى الله عليهما وسلم -
قال ربنا - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه -:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 130- 133 ].
• • •
الوصية الثالثة عشرة (13)
من وصايا نبي الله داودَ لابنه سليمانَ
عن يحيى بن أبي كثير - رحمه الله -، أن نبي الله داودَ قال لابنه سليمانَ - صلى الله عليهما وسلم -:
(( يا بُنيَّ، لا تَسْتَقِلَّ عَدُوًّا وَاحِدًا، ولا تَسْتَكْثِرْ أَلْفَ صَدَيِقٍ [5]، ولا تَسْتَبْدِلْ بِأَخٍ قَدِيمٍ أَخًا مُسْتَحْدَثًا مَا اسْتَقَامَ لَكَ )).
[ " عيون الأخبار " للإمام ابن قتيبة (ج3/الجزء السابع/ص1) ط/ دار الكتب المصرية بالقاهرة، و"العِقد الفريد" لابن عبد ربه، واللفظ لفظه، (2/161) ط/ دار الكتب العلمية ].
• • •
الوصية الرابعةَ عشرةَ (14)
وعن عبد الرحمن بن أبزى (رحمه الله) قال:
قال داودُ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -:
(( كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ.
• وَمَثَلُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ لِبَعْلِهَا[6] كَالْمَلِكِ الْمُتَوَّجِ بِالتَّاجِ المخوصِ بِالذَّهَبِ، كُلَّمَا رَآهَا قَرَّتْ بِهَا عَيْنَاهُ.
• وَمَثَلُ الْمَرْأَةِ السُّوءِ لِبَعْلِهَا كَالْحِمْلِ الثَّقِيلِ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.
• وَاعْلَمْ أَنَّ خُطْبَةَ الْأَحْمَقِ فِي نَادِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ الْمُغَنِّي عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ.
• وَلَا تَعِدَنَّ أَخَاكَ شَيْئًا، ثُمَّ لَا تُنْجِزهُ ; فَتُورِثَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً.
• وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ صَاحِبٍ إِنْ ذَكَرْتَ اللَّهَ لَمْ يُعِنْكَ، وَإِنْ نَسِيتَهُ لَمْ يُذَكِّرْكَ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ.
• وَاذْكُرْ مَا تَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ مِنْكَ فِي نَادِي قَوْمِكَ، فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ )).
[ أخرجه الإمامُ أبو القاسمِ الطبرانيُّ بسندين، ورجالُ أحدِهما رجالُ الصحيحِ. انظر "مجمع الزوائد" للهيثمي (4/274)، و(10/234) ].
• • •
الوصية الخامسة عشرة (15)
وعن الإمام المبارك عبد الله بن المبارك (رحمه الله) قال: قال داود لابنه سليمان (عليهما السلام):
(( يَا بُنِيَّ، إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى تَقْوَى الرَّجُلِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
• بِحُسْنِ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا نَابَهُ.
• وَبِحُسْنِ رِضَاهُ فِيمَا آتَاهُ.
• وَبِحُسْنِ صَبْرِهِ فِيمَا يَنْتَظِرُهُ )).
[ أخرجه الإمام البيهقيُّ - رحمه الله - في كتاب "الزهد الكبير" (966) ].
[1] هذا هو الصحيح في كتابة العاصي: إثبات الياء لا حذفها ، وكذا حذيفة بن اليماني ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وشَدَّاد بن الهادي. نبَّه على ذلك الإمام النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (ج12ص144).
[2] في رواية عند الإمامِ أحمدَ (2/225) وغيرِه: (( إن نوحًا لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: " إني قاصر عليكما الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين.." فذكر نحوه.
[3] هذا دليل من أدلة كثيرة تثبت أن الأرَضين سبع كالسموات، وقد قال ربنا - جل ثناؤه-: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]. وفي "الصحيحين" من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ )).
[4] أي: وآمرك بـ" سبحان الله وبحمده ".
[5] يُروى أن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنشد:
عليك بإخوان الصفا فإنهم
عِمادٌ إذا اسْتَنْجَدْتَهُم وظُهورُ
وإنَّ قليلاً ألفُ خِلٍّ وصاحبٍ
وإنَّ عدوًّا واحدًا لَكثيرُ
[6] الَبعْل: الزوج، والجمع: البُعُولة، والبِعَال، والبُعُول. ويقال للمرأة أيضًا: بَعْل وبعلة، كزوج وزوجة.
من وصايا نبيِّ الله سليمانَ بْنِ داودَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - لابنه
الوصية السادسةَ عشرةَ (16)
عن يحيى بن أبي كثير - رحمه الله -، قال:
قال سليمانُ بنُ داودَ لابنه - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -:
(( يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالنَّمِيمَةَ؛ فَإِنَّهَا أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ. وَإِيَّاكَ وَغَضَبَ الْمَلِكِ الظَّلُومِ؛ فَإِنَّهُ كَمَلَكِ الْمَوْتِ. يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالْمِرَاءَ، فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ، وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْإِخْوَانِ. يَا بُنَيَّ، خَطِيئَةُ بَنِي آدَمَ فَخْرُهُمْ، وَالزِّنَا عَيْنُ الْإِثْمِ. يَا بُنَيَّ، إِنَّ الْأَحْلَامَ تَصْدُقُ قَلِيلًا وَتَكْذِبُ، فَلَا يَحْزُنْكَ. وَعَلَيْكَ بِكِتَابِ اللهِ فَالْزَمْهُ، وَإِيَّاهُ فَتَأَوَّلْ. يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الْغَضَبِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْغَضَبِ تَسْتَخِفُ [تسحق] فُؤَادَ الرَّجُلِ الْحَلِيمِ )).
[رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (3/70). وأخرج الفقرةَ الأولى كلٌّ مِن: الإمام هناد بن السري فى "الزهد"، وابن حبان في "روضة العقلاء".. وأخرج الفقرةَ الثالثةَ البيهقيُّ في "شُعَب الإيمان"] .
• • • •
الوصية السابعةَ عشرةَ (17)
عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
• (( يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِالْحَبِيبِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ الْآخِرَ لَا يَعْدِلُهُ )).
["الحلية" لأبي نعيم، و"الروضة" لابن حبان، و"شعب الإيمان" للبيهقي].
• • • •
الوصية الثامنةَ عشرةَ (18)
وعنه أيضًا قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
•(( يَا بُنَيَّ، لَا تَقْطَعَنَّ أَمْرًا حَتَّى تُؤَامِرَ مُرْشِدًا، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تَحْزَنْ عَلَيْهِ )).
[ "الحلية"، و"شعب الإيمان" ].
• • • •
الوصية التاسعةَ عشرةَ (19)
وعنه - رحمه الله - قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
(( لَا تُكْثِرِ الْغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِكَ [وَلَمْ تَرَ مِنْهَا سُوءًا] فَتُرْمَى بِالسُّوءِ [وفي رواية: بِالشَّرِّ] مِنْ أَجْلِكَ وَإِنْ كَانَتْ [مِنْهُ] بَرِيئَةً. يَا بُنَيَّ، إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ ضَُعْفًا[1]، وَمِنْهُ وَقَارًا للهِ - عَزَّ وَجَلَّ -. يَا بُنَيَّ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَغِيظَ عَدُوَّكَ؛ فَلَا تَرْفَعِ الْعَصَا عَنِ ابْنِكَ [وَأَهْلِكَ ]. يَا بُنَيَّ، كَمَا يَدْخُلُ الْوَتَدُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ، وَكَمَا تَدْخُلُ الْحَيَّةُ بَيْنَ الْجُحْرَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ تَدْخُلُ الْخَطِيئَةُ بَيْنَ الْبَيْعَيْنِ )).
[رواه الإمامُ أحمدُ بْنُ حنبلٍ في "الزهد" (ص36) رَقْم (217) ط/ دار الكتب العلمية. وأخرج أبو نعيم في "الحلية" منه الفقرتين الأولى والثالثةَ، والزيادتان - بين المعقوفين - فيهما له. والفقرة الثالثة أخرجها أيضًا ابنُ حبان في "الروضة"].
الوصية العشرون (20)
وعنه قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
((مَنْ عَمِلَ بِالسُّوءِ فَبِنَفْسِهِ بَدَأَ )).
الوصية الحادية والعشرون (21)
عن يحيى بن أبي كثير - رحمه الله - قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
((يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِخَشْيَةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -؛ فَإِنَّهَا غَلَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ)).
[رواه الإمامُ أحمدُ - رحمه الله - في "الزهد" (ص36)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/71)[1]].
• • • •
الوصية الثانية والعشرون (22)
عن الإمام مالكٍ - رحمه الله - قال: بلغنا أن سليمان بن داود قال لابنه:
((يا بُنَيَّ، امْشِ وَرَاءَ الْأَسَدِ وَالْأَسْوَدِ [2]، وَلَا تَمْشِ وَرَاءَ امْرَأَةٍ)).
[رواه الإمام أحمدُ في "الزهد"].
• • • •
الوصية الثالثة والعشرون (23)
عن يحيى بن أبي كثير - رحمه الله -، قال: قال سليمانُ بْنُ داودَ لابنه:
((يَا بُنَيَّ، إِنَّ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ شِرَاءَ الْخُبْزِ مِنَ السُّوقِ، وَالنُّقْلَةَ مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ)).
[رواه الإمام ابنُ قتيبة في "عيون الأخبار" بهذا التمام (ج1/الجزء الثالث/ص314) ط/ دار الكتب المصرية. وأخرج الشطرَ الثاني منه الإمامُ أحمدُ في "الزهد" بلفظ: ((إن من سيئ العيش النقلة من منزل إلى منزل))، وأبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: ((إن من عيش السوء نقلاً من منزل إلى منزل))].
• • • •
الوصية الرابعة والعشرون (24)
وعنه أيضًا - رحمه الله -، قال: قال سليمانُ بْنُ داودَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه:
((أَيْ بُنَيَّ، مَا أَقْبَحَ الْخَطِيئَةَ مَعَ الْمَسْكَنَةِ[3]، وَأَقْبَحَ الضَّلَالَةَ بَعْدَ الْهُدَى، وَأَقْبَحَ كَذَا وَكَذَا، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ[4] كَانَ عَابِدًا فَتَرَكَ عِبَادَةَ رَبِّهِ)).
[خرَّجه الإمام أحمدُ في "الزهد"].
• • • •
الوصية الخامسة والعشرون (25)
وعنه أن سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال لابنه:
((يَا بُنَيَّ، لَا تَعْجَبْ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ، وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا.
يَا بُنَيَّ، لَا غِنَى أَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ جِسْمٍ، وَلَا نَعِيمَ أَفْضَلُ مِنْ قُرَّةِ عَيْنٍ)).
[أخرجه في "الحلية"].
[1] ثم رواه أبو نعيم - رحمه الله - في (ج6ص141) من طريق الإمام الأوزاعي - رحمه الله -، قال: قال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لابنه: ((يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِخَشْيَةِ اللهِ؛ فَإِنَّهَا غَلَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ)). وَبَلَغَنِي أَنَّ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: ((يَا مَعْشَرَ الْجَبَابِرَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَبَّارَ فَتَرَوْنَ قَضَاهُ؟ يَا مَعْشَرَ الْجَبَابِرَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا وُضِعَ الْمِيزَانُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ؟)). وقال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ((مَنْ عَمِلَ سُوءًا فَبِنَفْسِهِ بَدَأَ)). وقال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ((كُلُّ عَمًى وَلَا عَمَى الْقَلْبِ)). وقال سليمانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ((لَهْوُ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ حِكْمَةِ الْجُهَلَاءِ)).
[2] الْأَسْوَد: العظيم من الحيات وفيه سواد. قال الإمام الجوهريُّ في "الصحاح": ((الجمع: الْأَسَاوِد؛ لأنه اسم، ولو كان صفةً لَجُمِعَ على فُعْل)).
من وصايا لقمانَ الحكيمِ[1] - رضي الله عنه - لابنه
الوصايا من السادسة والعشرين إلى السادسة والثلاثين (26-36)
قال ربنا - عز وعلا - في سورة لقمان:
﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان:12-19].
♦♦♦♦♦
بقية ما يؤثر من وصايا لقمان الحكيم لابنه
الوصايا من السابعة والثلاثين إلى الأربعين (37-40)
(37)
ويُروى عن لقمانَ الحكيمِ - رضي الله عنه [2] - أنه قال لابنه:
((يا بني، اتخذ طاعة الله تجارة؛ تأتك الأرباح من غير بضاعة)) ["كتاب الزهد" للإمام أحمد بن حنبل، و"كتاب الزهد" لابن أبي عاصم، و"الزهد الكبير" لأبي بكر البيهقيِّ].
♦♦♦♦♦
(38)
وقال له:
((يا بني، إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها إيمان بالله، وشراعها التوكل على الله؛ لعلك تنجو، ولا أراك ناجيًا)).
["كتاب الزهد" للإمام ابن المبارك، و"الزهد" للإمام أحمد، و"الزهد" لابن أبي الدنيا، وكذا "التوكل على الله"، و"ذم الدنيا" له، و "الزهد الكبير" للبيهقي].
♦♦♦♦♦
(39)
وقال له:
((يا بني، إني حملت الحجارة، والحديد، وكل شيء ثقيل، فلم أحمل شيئًا هو أثقل من جار السوء.
يا بني، إني ذقت المر، فلم أذق شيئًا هو أمر من الفقر.
يا بني، لا تُرسلْ رسولك جاهلًا، فان لم تجد حكيمًا فكن رسولَ نفسك.
يا بني، إياك والكذبَ؛ فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه.
يا بني، احضر الجنائز ولا تحضر العرس؛ فإنَّ الجنائزَ تذكرك الآخرة والعرسَ تشهيك الدنيا.
يا بني، لا تأكلْ شِبَعًا على شِبَعٍ، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكلَه[3].
يا بني، لا تكن حلوًا فتبلع، ولا مرًّا فتلفظ)).
[عزاه في "الدر" لابن أبي شيبة، وأحمد، والبيهقي في "الشعب". قلت: الجملة الأولى رواها ابنُ أبي الدنيا في كتاب "مكارم الأخلاق" بلفظ مقارب، والثانية رواها في كتاب "إصلاح المال"].
♦♦♦♦♦
(40)
وقال له:
((يا بني، لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء، وتباري به السفهاء، وتماري به في المجالس.
ولا تترك العلم زهادة فيه ورغبة في الجهالة.
وإذا رأيت قومًا يذكرون الله فاجلس معهم؛ فإن تك عالمًا ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يعلموك، ولعل الله تعالى أن يطلع إليهم برحمة فيصيبك بها معهم.
وإذا رأيت قومًا لا يذكرون الله فلا تجلس معهم؛ فإن تك عالمًا لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يزيدوك جهلاً - أو قال: غيًّا -، ولعل الله تعالى أن يطلع عليهم بسخطة فيصيبك بها معهم.
يا بني، لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين؛ فإن له عند الله - عز وجل - قاتلاً لا يموت)).
["الزهد" لابن المبارك، و"الزهد" للإمام أحمد، ومقدمة "سنن الإمام الدارمي"، و"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر، و"حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (6/62-63) لأبي نعيم في ترجمة شهر بن حوشب (رحمه الله). وأخرج الفِقرة الأولى منه الحافظ ابنُ أبي الدنيا - أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بْنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ سفيانَ بنِ قَيْسٍ القرشيُّ مولاهم البغداديُّ - في كتاب "الصمت وآداب اللسان" (142)].
[1] لنا كتاب ترجمته "لقمان الحكيم"، وهو دراسة مستفيضة عن لقمان - رضي الله عنه -، جمعنا فيها كل ما وقفنا عليه مما يُروى عنه من أحوال وأقوال، ووضعناه على ميزان النقد العلمي، وانتهينا بآخرة إلى قريب من رأي الإمام الشوكاني - رحمه الله - الذي ارتآه في "فتح القدير". ولسوف ننشره على حلقات - إن شاء الرحمن - على صفحات هذه الشبكة الميمونة، شبكة الألوكة، بارك الرحمن في القائمين عليها، ولا أَخْلَى مكانهم، ودفع عنهم الأسواء.
[2] هذا هو الأولى: الترضي عن لقمان وكذا مريم، لا الصلاة عليهما. رجحه الإمامُ النوويُّ - رحمه الله - في "الأذكار"، ونص كلامه: ((إذا ذكر لقمان ومريم: هل يصلى عليهما كالأنبياء، أم يترضّى كالصحابة والأولياء، أم يقول: عليهما السلام؟ فالجواب: أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا نَبِيَّيْن، وقد شَذَّ مَن قال: نبيانِ، ولا التفات إليه، ولا تعريج عليه، وقد أوضحتُ ذلك في كتاب: "تهذيب الأسماء واللغات". فإذا عرف ذلك، فقد قال بعضُ العلماء كلامًا يفهم منه أنه يقول: قال لقمانُ، أو مريم صلى الله على الأنبياء وعليه - أو: وعليها - وسلم. قال: لأنهما يرتفعان عن حال مَن يقال: رضي الله عنه؛ لما في القرآن مما يرفعهما. والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال: رضي الله عنه، أو عنها؛ لأن هذا مرتبة غير الأنبياء، ولم يثبتْ كونهما نَبِيَّيْنِ. وقد نقل إمامُ الحرمين إجماعَ العلماءِ على أن مريم ليست نبيةً، ذكره في "الإرشاد". ولو قال: عليه السلام، أو: عليها، فالظاهر أنه لا بأس به. والله أعلم)).
[3] روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الجوع" من طريق الحسن أن لقمان قال لابنه: ((يا بني! لا تأكل شبعًا على شبع؛ فإنه رُبَّ أَكْلَةٍ قد أورثَتْ صاحبَها داء)).
((يا بني، كذب مَن قال: "إن الشر يطفئ الشر"!، فإن كان صادقًا فليوقد نارًا إلى جنب نار، فلينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟! وإلا فإن الخير يطفئ الشر كما يطفئ الماء النار)). ["روضة العقلاء" لابن حبان رحمه الله].
♦♦♦♦♦
(42)
وقال له:
((أي بني، اعتزل الشر كيما يعتزلك؛ فإن الشر للشر خُلِقَ)) [رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "مداراة الناس"].
♦♦♦♦♦
(43)
وقال له:
((يا بني، إذا أتيت نادي قومك فارمهم بسهم الإسلام - يعني: السلام - ثم اجلس بناحيتهم، ولا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجِلْ سهمك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم)). رواه ابن المبارك في "الزهد"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وأورده الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" وعزاه لابن أبي حاتم. وأورده أيضًا العلامة أبو العباس الْمُبَرِّد في كتابه النفيس القيم "الكامل في اللغة والأدب" (ج1ص102) ط/ مؤسسة المعارف - بيروت، وقال: ((قوله: "فأجِلْ سهمك مع سهامهم": يعني: ادخُل معهم في أمرهم، فضربه مثلاً من دخول الرجل في قِداح الميسر)) انتهى.
♦♦♦♦♦
(44)
وقال له:
((يا بني، إنك استدبرْتَ الدنيا منذُ يومَ نزلتَها، واستقبلْتَ الآخرةَ، فأنت إلى دارٍ تقرب منها أقربُ منك إلى دارٍ تباعد عنها)). [رواه ابن أبي الدنيا في "الزهد"، وفي "ذم الدنيا"].
♦♦♦♦♦
(45)
وقال له:
((يا بني، ليكن وجهك بسطًا، ولتكن كلمتك طيبة ؛ تكن أحب إلى الناس من أن تعطيهم العطاء)) ["الزهد" لابن المبارك، "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" لابن حبان].
ويُروى عن لقمانَ الحكيمِ - رضي الله عنه - أنه قال لابنه:
((لأن تكون أخرس عاقلًا؛ خيرٌ من أن تكون نطوقًا جاهلًا. ولكل شيء دليل، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، وكفى بك جهلًا أن تنهى الناس عن شيء وتركبه)). ["نهاية الأرب في فنون الأدب" لشهاب الدين النويري، وأورده - عدا الجملة الأخيرة منه - الزمخشريُّ في "ربيع الأبرار ونصوص الأخيار" (2/133) بلا نسبة].
♦♦♦♦♦
(47)
وقال له:
((يا بني، لا تعد بعد تقوى الله من أن تتخذ صاحبًا صالحًا)). [رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان"].
♦♦♦♦♦
(48)
وقال له:
((يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يُحْيي القلوب بنور الحكمة كما يُحيي الأرض المَيْتة بوابل السماء. ولا تجادلهم فيمقتوك. وخذ من الدنيا بلاغًا، ولا تدخل فيها دخولاً يضر بآخرتك، ولا ترفضها فتصير عيالاً على الناس. وصم صومًا يقطع شهوتك، ولا تصم صومًا يمنعك عن الصلاة؛ فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام)) ["الزهد" للإمام البيهقي، وأخرج الفقرة الأولى الإمام مالك في "الموطإِ"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله". وروى الوصية المتعلقة بالدنيا أبو نعيم في "الحلية" بنحو مما هنا في ترجمة أبي سليمان الداراني رحمه الله].
وذُكر على وجهٍ آخَرَ:
((يا بني، ازحم العلماء بركبتيك، ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وأبق فضول كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كُلَّ الرفض فتكون عيالًا، وعلى أعناق الرجال كَلًّا، وصُمْ صومًا يكسر شهوتك، ولا تصم صومًا يضر بصلاتك؛ فإن الصلاة أفضل من الصوم، وكن كالأب لليتيم، وكالزوج للأرملة، ولا تحاب القريب، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين البتة)). ["البيان والتبيين" للجاحظ (2/75)].
♦♦♦♦♦
(49)
وقال له:
((يا بني، لا تُؤَخِّرِ التوبة؛ فإن الموت قد يأتي بغتة)). [رواه ابن ابي الدنيا في "قصر الأمل"، وفي "التوبة"].
♦♦♦♦♦
(50)
وقال له:
((يا بني، ارجُ اللهَ رجاءً لا يُجَرِّئُك على معصيته، وخَفِ الله خوفًا لا يُؤَيِّسُك من رحمته)).
وفي رواية: ((يا بني، ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس فيها من رحمته)).
فقال: يا أبت، وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟!
قال: ((يا بني، إن المؤمن لذو قلبين: قلب يرجو به، وقلب يخاف به)) [رواه الإمام هناد بن السري في "الزهد"، وابن المبارك في "الزهد"، والإمام أحمد في "الزهد"، والإمام البيهقي في "الشعب" والرواية الأولى له، وابن عبد البر في "بهجة المجالس وأنس المجالس" (ج1ص378) ط/ دار الكتب العلمية - بيروت].
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "حسن الظن بالله"، بلفظ:
((يا بني، خَفِ اللهَ خوفًا يحول بينك وبين الرجاءِ، وَارْجُهُ رجاء يحول بينك وبين الخوفِ)).
فقال: أي أَبَه، إنما لي قلب واحد، إذا ألزمتُهُ الخوفَ شغله عن الرجاء، وإذا ألزمته الرجاءَ شغله عن الخوف!
قال: ((أي بني، إن المؤمن له قلبٌ كقلبين: يرجو الله - عز وجل- بأحدهما، ويخافه بالآخر)).
ويُروى عن لقمانَ الحكيمِ - رضي الله عنه- أنه قال لابنه:
((أي بني، وَاصِلْ أقرباءَكَ، وَأَكْرِمْ إخوانَكَ، وليكن أَخْدَانُكَ مَن إذا فارقتَهم وفارقوك لم تُعَبْ بهم)). [رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان"].
ورواه في كتاب "الحلم" ببسطة، ففيه:
قال لقمان لابنه:
((يا بني، إني موصيك بخصال إن تمسكت بهن لم تزل سيدًا: ابسُطْ حلمك للقريب والبعيد، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم، وَصِلْ أقرباءك، وليكن إخوانك الذين إذا فارقوك وفارقتَهُمْ لم تعب بهم)).
• • • •
(52)
وقال له:
((يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة)). ["الإحياء" للإمام الغزالي (3/90) ط/ دار الكتب العلمية، "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض المالكي (1/64) ط/ الصفا].
• • • •
(53)
وقال له:
((يا بني، إياك والكسلَ والضجر؛ فإنك إنْ كَسِلْتَ لم تُؤَدِّ حقًّا، وإن ضَجِرْتَ لم تصبر على حق)). ["البيان والتبيين" (2/36)].
• • • •
(54)
وقال له:
((يا بني، إنَّ اللسان هو باب الجسد، فاحذر أن يَخرج من لسانك ما يُهلك جسدَك، ويُسخط عليك رَبَّك (عز وجل)). [رواه ابن ابي الدنيا في كتاب "العقل وفضله" عن وهب بن منبه أن ذلك مما سطر في حكمة لقمان].
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" بالإسناد عينه، مع زيادة في أوله، هكذا:
((يا بني، العلم حَسَنٌ وهو مع الحلم أحسنُ، والصمت حسن وهو مع الحكمة أحسن.
يا بني، إن اللسان هو نَابُ الجسد؛ فاحذر أن يخرج من لسانك ما يُهلك جسدَك أو يُسخط عليك رَبَّك)).
• • • •
(55)
وقال له:
((يا بني، أنزل نفسك - يعني: من مولاك - منزلةَ مَن لا حاجة له بك، ولا بد لك منه.
يا بني، كن كمن لا يبتغي محمدة الناس يكتب مذمتهم؛ فنفسه منه في عناء، والناس منه في راحة)). [رواه الإمام أحمد في "الزهد"].
من وصايا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبنيه
الوصية السابعة والستون (67)
وصية عمر بنِ الخطاب لابنه عبدالله
كتب عمرُ بنُ الخطابِ أميرُ المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحدُ العشرةِ المبَشَّرين إلى ابنه عبد الله -رضي الله عنهما- فى غَيْبَةٍ غابها:
((أما بعدُ: فإنه مَن اتقى الله وَقَاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جَزَاه؛ فاجعل التقوى[1] جِلاءَ بصرك، وعِمَادَ ظهرك، فإنه لا عمل لمن لا نِيَّة له، ولا أَجْرَ لمن لا حسنة له، ولا خير لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له))؛ الأمالي؛ لأبي علي القالي، و"العِقد الفريد"؛ لابن عبد ربه، و"مناقب عمر بن الخطاب"؛ لابن الجوزي.
♦♦♦
الوصية الثامنة والستون (68)
وصية عمر بن الخطاب لابنته حفصةَ أمِّ المؤمنين
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
"كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أُمَيَّةَ بن زيد، وهُمْ من عَوَالِي المدينة، وكنا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيرِه، وإذا نزل فَعَلَ مثلَ ذلك.
وكنا معشر قريش نَغلب النساءَ، فلما قَدِمْنَا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤُهم، فَطَفِقَ نساؤُنا يَأْخُذْنَ من أدب نساء الأنصار، فَصَخِبْتُ على امرأتي، فَراجَعَتْنِي، فأنكرتُ أن تراجعني، قالت: وَلِمَ تُنْكِرُ أن أُرَاجِعَكَ؟! فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لَيُرَاجِعْنَهُ، وإنَّ إِحْدَاهُنَّ لتَهْجُره اليومَ حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب من فعَل ذلك منهنَّ.
ثم جمعتُ عليَّ ثيابي، فنزلت، فدخلتُ على حفصةَ، فقلت لها: أَيْ حفصة! أَتُغَاضِبُ إحداكُنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اليوم حتى الليل؟!
قالت: نعم.
فقلت: قد خِبْتِ وَخَسِرْتِ[2]، أَفَتَأْمَنِينَ أن يَغضب اللهُ لغضب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتهلكي؟
لا تَستكثري النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولا تُراجعيه في شيء، ولا تَهجريه، وسَليني ما بدا لك، ولا يَغُرَّنَّكَ أنْ كانت جَارَتُكِ أَوْضَأَ [3] منك وأحبَّ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يريد عائشةَ - رضي الله عنها"؛ رواه الإمام البخاري في "صحيحه" (2468 - 5191)، والموضع الأخير هذا هو في كتاب النكاج، وترجم البخاريُّ للحديث فيه بقوله: "باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها"، ومسلم في "صحيحه" (1479).
[1] أصل التقوى: وقوى - بكسر أوله وقد يفتح - من الوقاية، أُبدلت الواو تاء كـ"تراث"، و"تخمة"، وهي: ما يستر الرأس، فهي اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره، فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه منه، وهي امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه بفعل كل مأمور به وترْك كل منهي عنه حسب الطاقة، مَن فعل ذلك فهو من المتقين؛ ا.هـ من "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين"، (ج1، ص246) ط/ دار الفكر.
وقال الإمام أحمد: ((التقوى: ترك ما تهوى لما تخشى)).
ولله درُّ من قال: ((التقوى: أن يجدك الله حيث أمرك، وأن يَفتقدك حيث نهاك)).
وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسند صححه العماد بن كثير في "التفسير" (2/51)، والطبراني في "المعجم الكبير" بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، والآخر ضعيف - كما قال الهيثمي في "المجمع" (6/326) - عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، قال: ((أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر)).
وقد روى الإمام ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان" (ص39، رقم99)، والإمام المبارك عبدالله بن المبارك في "الزهد" (1343)، والإمام هناد بن السري في "الزهد" (520)، والإمام البيهقي في "الزهد الكبير" (965) عن عاصم الأحول قال: لما وقعت فتنة ابن الأشعث، قال طلق بن حبيب: ((اتَّقوا الفتنة بالتقوى)).
فقال بكر بن عبدالله: أجمِل لنا التقوى في يسيرٍ.
فقال: ((التقوى: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء رحمة الله، والتقوى: ترك معاصي الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله))؛ ا. هـ.
وقد روى الإمام البيهقي في "الزهد الكبير" قبل هذا الأثر أثرين:
الأول:
بسند فيه نظر عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: قال رجل لأبي هريرة: ما التقوى؟ فقال أبو هريرة: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟
قال الرجل: نعم.
قال: فكيف صنعت؟
قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه.
فقال: ((ذاك التقوى))؛ ا.هـ.
وقد أخذ ابنُ المعتز هذا المعنى من أبي هريرة، فقال:
خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنَع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تَحقِرن صغيرة إن الجبال من الحصى.
الأثر الثاني: رواه البيهقي من طريق عبدالرحمن بن ميسرة الحضرمي، أن عمر بن عبدالعزيز كان يقول: ((ليس تقوى الله بصيام الدهر، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترْك ما حرَّم الله وأداء ما افترَض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير)).
[2]في لفظ عند الإمام مسلم (34/ 1479): ((قد خاب مَن فعل ذلك منكن وخَسِرَ)).
[3]في لفظ عند الإمام مسلم: ((أَوْسَمَ)).

0 التعليقات:
إرسال تعليق