وبعض هذه الألعاب قد ثبتت مشروعيتها بأحاديث صحاح وحسان. مثل العدو والسباحة، واللهو بالسهام، واللعب بالحراب، وركوب الخيل، والمصارعة وغيرها، وقد تحدثنا عنها من قبل.
وبعضها مباح بناء على المبدأ الشرعي المعروف، وهو أن الأصل في الأشياء والأعمال الدنيوية هو الإباحة.
بالإضافة إلى أن كل ما يقوي البدن، ويعود عليه بالعافية، فهو أمر مشروع، بل مستحب، وقد يصل أحيانا إلى درجة الوجوب، حسب درجة الحاجة إليه.
ثم إن الأمم في عصرنا أصبحت تتنافس وتستبق في هذا الميدان: ميدان الرياضة بأنواعها، وتبذل الكثير في إعداد الرياضيين، فلا يجوز للأمة المسلمة أن تتخلف عن غيرها. بل ينبغي أن يكون لها السبق دائما.
ولكن المباحات في الإسلام لها ضوابطها، التي تتقيد بها، فلا يجوز لها أن تخرج عنها.
من ذلك: عدم الإسراف والمبالغة فيها، كما قال تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (الأعراف:31).
والإسراف في المباح يجعله حراما، أو يقربه إلى دائرة الحرام.
والرياضة من الأشياء التي مال الناس فيها إلى المبالغة والإسراف في عصرنا، فقد أخذت من أوقات الناس ومن جهودهم ومن أموالهم أكثر مما يلزم، وخصوصا كرة القدم، حتى بات لاعبو الكرة من (نجوم المجتمع) وغلبت (عبقرية القدم) على (عبقرية الرأس) أو (عبقرية القلم)! وأمست وزارات الشباب تعنى بالأبدان أكثر من عنايتها بالعقول والأرواح.
ومن الضوابط المهمة هنا: حدوث ضرر بالغ لللاعب أو لخصمه في الرياضات التي يتبارى فيها اثنان، مثل الملاكمة، والمصارعة. وقد أفتى بعض العلماء ـ وأنا منهم ـ بتحريم لعبة الملاكمة المفتوحة، التي يجوز للملاكم فيها أن يقتل خصمه بالضربة القاضية أو يصيبه بعاهة مستديمة، تلازمه طوال حياته، وتؤثر على جسمه أو عقله.
ذلك أن من القواعد الشرعية المقطوع بها، والمأخوذة من نص الحديث النبوي، ومن آيات القرآن: أن " لا ضرر ولا ضرار "[1] وقال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء:29)، وقال سبحانه: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة:195).
ولا يجوز للإنسان أن يضر نفسه أو غيره ضررا بليغا، طائعا مختارا، لأن نفسه وديعة من الله بين يديه، لا يسوغ له أن يتصرف فيها تصرفا يؤذيها بلا سبب، إلا أن تدفع إلى ذلك ضرورة، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة.
ومن الضوابط المهمة كذلك: المحافظة على ستر العورات المحظور كشفها، والذي أرجحه هنا أن نتبنى المذاهب الميسرة في هذا الأمر، مثل من يرى أن الفخذ ليس بعورة، لمسيس الحاجة إلى كشف الفخذ أو بعضه على الأقل في كثير من الرياضات.
ولكن لا يجوز أن نسمح بتجسيد العورات المغلظة تجسيدا شديدا، ولو كان ذلك للرجال.
وأشد من ذلك وأغلظ : ما يتعلق بعورات النساء، في رياضات كثيرة، مثل السباحة، و(الجمباز) والتزحلق على الجليد، ورقص البالية ، والعدو والقفز وغيرها، فهذا يجوز للنساء أن يقمن به بعضهن مع بعض بضوابطه، ولا يقمن به بمشهد من الرجال الأجانب عنهن. ولهذا لا يجوز تصوير هذه المشاهد الرياضية المتعلقة بالنساء ، مثل السباحة و ألعاب الجمباز ، و نحوها ، لتنقل إلى عموم المشاهدين من الرجال وغيرهم عن طريق التلفازات والفضائيات وغيرها .
ومن الضوابط المهمة أيضا: ألا تلهي هذه الألعاب عن ذكر الله عن الصلوات المفروضة، وعن أي واجب ديني أو دنيوي، لأن إضاعة الصلوات والواجبات أمر محرم في الإسلام، وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، فوجب منعه سدا للذريعة إلى الفساد . وقد قال تعالى في تعليل تحريم الخمـر والميسر: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟) (المائدة:91).

0 التعليقات:
إرسال تعليق