وصية زين العابدين عليّ بن الحسين - رحمه الله - لابنه
عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر - رحمه الله - قال: أوصاني أبي، فقال:
((لا تصحبن خمسة، ولا تحادثهم، ولا ترافقهم في طريق)).
قلت: جُعِلتُ فداك يا أبت، مَن هؤلاء الخمسة؟
قال: ((لا تصحبن فاسقًا ؛ فإنه بائعك بأكلة فما دونها)).
قلت: يا أبت، وما دونها؟!
قال:((يطمع فيها ثم لا ينالها )).
قلت: يا أبت، ومَن الثاني؟
قال: ((لا تصحبن البخيل ؛ فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه )).
قلت: يا أبت، ومن الثالث؟
قال: ((لا تصحبن كذابًا ؛ فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب، ويقرب منك البعيد)).
قلت: يا أبت، ومَن الرابع؟
قال: ((لا تصحبن أحمقَ ؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرك)).
قلت: يا أبت، ومَن الخامس؟
قال: ((لا تصحبن قاطع رحم ؛ فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواضعَ)).
["حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم].
♦ ♦ ♦
الوصية التاسعة والثمانون (89)
وصية محمد بن عليٍّ الباقر[1] - رحمه الله - لابنه جعفر
عن سفيانَ الثوريِّ، عن جعفر بن محمد قال: قال لي أبي:
((يا بُنيَّ، إن سَبَّ أبي بكرٍ وعمرَ من الكبائر، فلا تُصَلِّ خلف من يقع فيهما )). ["تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي - ترجمة عبد الله بن الحسن بن نصر أبي عبد الرحمن الواسطي (11/97) ط/ دار الغرب الإسلامي = (9/443) رقم (5053) ط/ دار الكتب العلمية].
وأقول: أين أولو الجُول ممَن يدعي موالاة آل بيت الرسول من هذه الوصية وشبهها مما يصعق مَن تَلَسَّن على المكرمين وتقوّل؟!
ويروق لي أن أنقل بعض ما ورد عن سادات أهل البيت في هذا الباب، ليرى مَن مُني بشباك الرفض على حين غفلة منه الحقَّ صرفًًا، وأما الأفاكون فما لنا معهم من حديث... وياهؤلاء، إما اتباع بإحسان، وإما خرس بإمعان...
• روى الإمام البخاريُّ عن أبي القاسم محمد ابن الْحَنَفِيَّة - رحمه الله - قال: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: ((أَبُو بَكْرٍ ))، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ عُمَرُ ))، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: ((مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ))[2].
• وأخرج الإمام اللالكائيُّ - رحمه الله - في "شرح أصول الاعتقاد" بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: ((ولينا أبو بكر، خير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا)).
• ثم أسند عن ابن أبي حازم، عن أبيه قال: قيل لعلي بن الحسين: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه)).
• وروى عن يحيى العتكي، قال: قال هارون الرشيد لمالك: كيف كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((كقرب قبرهما من قبره بعد وفاته )). قال: ((شفيتني يا مالك)).
• ثم خرَّج عن يحيى الحذاء، عن كثير النواء، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: جعلني الله فداك، أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم من شيء أو ذهبا به؟ قال: ((لا والذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، ما ظلمانا من حقنا شيئًا)). قال: قلت: جعلني الله فداك، فأتولاهما؟ قال: ((ويحك! تولهما، لعن الله مغيرة وبيانًا؛ فإنهما كذبا علينا أهل البيت)).
• وعن شريك، عن جابر، قال: قلت لأبي جعفر: جعلت فداك، هل كان أحد منكم تبرأ من أبي بكر وعمر؟ وفي روايةٍ: يسب أبا بكر وعمر. قال: ((لا)). ثم قال: ((أحبهما، واستغفر لهما، وتولاهما)).
• وعن حفص، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: ((ما يسرني بشفاعة أبي بكر - رضي الله عنه - هذا العمود ذهبًا))، يعني: سارية من سواري المسجد.
• وعن سالم بن أبي حفصة - وكان يترفض [3] - قال: دخلت على جعفر بن محمد وهو مريض فأراه قال من أجلي: ((اللهم إني أحب أبا بكر وعمر وأتولاهما، اللهم إن كان لي - يعني: خلاف هذا - فلا نالتني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة)).
• وعن ابن فضيل قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة، قال: قال جعفر بن محمد: ((أبو بكر جدي، فيسب الرجل جده؟! لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما)).
• وذكره الذهبي في "السير" (4/402-403) بلفظ: ((سألت أبا جعفر وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: ((يا سالم، تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى)).
قال الذهبي: ((كان سالم فيه تشيع ظاهر، ومع هذا فيبث هذا القول الحق، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، وكذلك ناقلها ابن فضيل شيعي، ثقة، فَعَثَّرَ الله شيعة زماننا، ما أغرقهم في الجهل والكذب! فينالون من الشيخين، وزيريِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ويحملون هذا القول من الباقر والصادق على التَّقِيَّة!!)).
• وروى إسحاقُ الأزرقُ عن بسَّام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر، عن أبي بكر، وعمر، فقال: ((واللهِ، إني لأتولاهما، وأستغفر لهما، وما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما)).
• وعن جابر الجُعْفِي، عن محمد بن عليٍّ قال: ((أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول)).
• وروى أبو نعيم في "الحلية" (3/185) عن جابر قال: قال لي محمد بن عليٍّ: ((يا جابر، بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده، لو وُلِّيتُ لتقربت إلى الله - تعالى - بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عنهما)).
• وعن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن عليٍّ عن قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55]؟ قال: ((هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم -)). قلت: يقولون: هو عليٌّ. قال: ((عليٌّ منهم)).
• وعن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ قال: ((من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد جهل السنة)).
• وعن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمد بن عليٍّ عن حلية السيوف، فقال: ((لا بأس به، قد حَلَّى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -)) سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق؟!! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، ثم قال: ((نَعَم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة)).
• وخرَّج الإمام اللالكائيُّ عن جعفر بن غياث، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: ((ما أرجو من شفاعة عليٍّ شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله، ولقد ولدني مرتين[4])).
قال اللالكائي: ((معنى هذا الكلام أن أبا بكر جده مرتين؛ وذلك أن أم جعفر بن محمد هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهي زوجة أبيه محمد بن علي بن الحسين، وأم أم فروة هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأبو بكر جده من وجهين)).
• وعن هاشم بن البريد، عن زيد بن عليٍّ، قال: ((أبو بكر الصديق إمام الشاكرين))، ثم قرأ: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].
• وعن هشام بن الزبير، عن زيد بن عليٍّ، قال: ((البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من عليٍّ عليه السلام)).
• وعن يعلى بن عبيد، قال: أخبرنا أبو خالد، يعني: الأحمرَ، قال: سُئل عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر، فقال: ((صلى الله عليهما، ولا صلى على من لا يصلي عليهما)).
• وعن ابن شوذب، عن ليث بن أبي سليم، قال: ((أدركت الشيعة الأولى ما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا)).
♦ ♦ ♦
الوصية التسعون (90)
وصية أخرى من وصايا أبي جعفر محمد الباقر - رحمه الله -
وقال محمد الباقر لابنه جعفر (رحمها الله ) أيضًا:
((يابني، إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة:
• خبأ رضاه في طاعته، فلا تَحْقِرَنَّ شيئًا من الطاعة ؛ فلعل رضاه فيه.
• وخبأ سخطه في معصيته ؛ فلا تحقرن شيئًا من المعاصي ؛ فلعل سخطه فيه.
• وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرن أحدًا من خلقه ؛ فلعله فى ذلك )). ["مجمع الأمثال" لأبي الفضل الميداني][5].
♦ ♦ ♦
الوصية الحادية والتسعون (91)
وصية جعفر الصادق - رحمه الله - لابنه موسى الكاظم
عن بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق - رحمه الله - قال:
دخلت على جعفر وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال:
((يا بُنيَّ، اقبل وصيتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدًا، وتمت حميدًا.
يا بني، مَن رضي بما قُسم له استغنى، ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا.
ومَن لم يرضَ بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه.
ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه.
يا بني، مَن كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومَن سَلَّ سيف البغي قُتل به،ومن احتفر لأخيه بئرًا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حُقِّر، ومن خالط العلماء وُقِّر، ومن دخل مداخل السوء اتُّهِم.
يا بني، إياك أن تُزري بالرجال فيزرَى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتَذِلَّ لذلك.
يا بني، قُل الحق لك أو عليك ؛ تُسْتَشَان من بين أقرانك.
يا بني، كن لكتاب الله تاليًا، وللسلام فاشيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئًا، ولمن سألك معطيًا.
وإياك والنميمةَ ؛ فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال.
وإياك والتعرضَ لعيوب الناس ؛ فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف.
يا بني، إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادنَ، وللمعادن أصولاً، وللأصول فروعًا، وللفروع ثمرًا، ولا يطيب ثمر إلا بأصول، ولا أصل ثابت إلا معدن طيب.
يا بني، إنْ زرت فَزُرِ الأخيار، ولا تزر الفجار ؛ فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها )). ["الحلية"، ونقلها في "السير" (6/263) الذهبيُّ].
♦ ♦ ♦
الوصية الثانية والتسعون (92)
وصية عبد الله بن الحسن -رحمه الله- ابنَه محمدًا
قال عبد الله بن الحسن - رحمه الله - لابنه محمد:
((يا بنى، احذر الجاهل وإن كان لك ناصحًا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوًا.
ويوشك الجاهل أن تورطك مشورته في بعض اغترارك، فَيَسْبِق إليك مكر العاقل.
وإياك ومعاداة الرجال ؛ فإنها لا تعدمك مكر حليَم، أو مباذاة (وفي رواية: معاندة) جاهل)). ["العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"روضة العقلاء" لابن حبان الجملة الأخيرة].
وفي "البيان والتبيين" (2/88-89) [6]:
قال عبد الله بن الحسن لابنه محمد حين أراد الاستخفاء:
((أي بني، إني مُؤَدٍّ إليك حَقَّ الله في حسن تأديبك، فأدِّ إليَّ حقَّ الله في حسن الاستماع.
أي بنيَ، كُفَّ الأذى، وارفض البذاء، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى القول، فإن للقول ساعاتٍ يضر فيها خطاؤه، ولا ينفع صوابه.
احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشًّا؛ فإنه يوشك أن يورطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل)).
[1] البقر: الشق، وعرف الإمام محمد بذلك؛ لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلاً بليغًا، ووصل منه إلى غاية مرضية. قاله الإمام النووي في "المنهاج" (6/137). وقال الذهبي: ((شُهِر أبو جعفر بالباقر، من: (بَقَر العلمَ)، أي: شقّه، فعرف أصله وخفيه)).
[2] رواه الإمام البخاري في "صحيحه"، كتاب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب: قول النبي: ((لو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً))، حديث رَقْم (3671).
[3]ذكر الذهبي في ترجمة الحافظ أبي الحسن الدارقطني من "السير" (16/457) أنه قال: (( اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: عليٌّ أفضل، فتحاكموا إليَّ، فأمسكت، وقلت: الإمساك خير. ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم، وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من عليٍّ باتفاق جماعة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا قول أهل السنة، وهو أول عقد يحل في الرفض)). قال الذهبي: (( جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام عليٍّ، وإليه نذهب، والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما - بلا شك - أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة - أبعدهم الله - )).
[4] قال الإمام اللالكائي - رحمه الله -: معنى هذا الكلام أن أبا بكر جده مرتين؛ وذلك أن أم جعفر بن محمد هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهي زوجة أبيه محمد بن علي بن الحسين، وأم أم فروة هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأبو بكر جده من وجهين.
[5] رُوي هذا الكلام أيضًا عن ذي النون المصري - رحمه الله -، أخرجه البيهقي في "الزهد الكبير".
[6] وكان عمرو بن بحر قد ذكرها قبلُ (ج1ص180) غير أنه في هذا الموضع تردد في اسم الابن، فقال: "إبراهيم" أو "محمد".
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Social/0/51533/#ixzz2OXKpv6mw

0 التعليقات:
إرسال تعليق