كما نجد القرآن يحوي الكثير من الصور من الماضي والمستقبل، والتي تكفي كل صوره منها لإثارة الخيال وبناء صور وقصص على مستوى عالٍ من الرقي. فمثلا إذا تأمل الإنسان في بعض علامات الساعة المذكورة في القرآن، نجد ما يحفز خيال المبدع بصور مركبة. فننظر مثلا إلى بعض الآيات: البحار فجرت، القبور بعثرت، الجبال سيرت، وانشق القمر.. والكثير من الصور الملحمية والتتابع والترابط فيما بينها، يكفي كقاعدة بيانات لكثير من قصص تصور المستقبل البعيد. وهناك ما يصف بعضا من أوصاف الجنة أو الجحيم، رغم أن بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكن الأوصاف التي نجدها في القرآن، بها من الحفز للخيال ما يكفي للكثير من الإبداع.
وفيما يتعلق بصور الماضي وعظاته فهي أيضاً مليئة بما يلهب خيال القصاصين والرسامين والمبدعين.. فنجد في القصص القرآني من قصص السابقين؛ كقوم عاد وثمود ولوط ومدين.. الكثير من المعجزات والمشاعر الإنسانية الجميلة والمعبرة، كما نجد في قصص بني إسرائيل وقصص الرسل عليهم السلام الكثير من الملاحم الإنسانية والمعجزات. هذا فضلاً عن سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام.
كما نجد في هذا القصص القرآني الكثير من التشابه مع وقائع حدثت وتحدث وستحدث في حياة كل منّا. من هذه الأمثلة الآيات (26) إلى (33) من سورة غافر، حيث نجد مناظرة بين مرشحين في حملة انتخابية، يحاول كل منهما إقناع الملأ والعامة بوجهة نظره، وللأسف ينجح من يناصر الرأي الظالم (فرعون) في أن يستخف عقول قومه فيطيعوه ويتبعوه إلى التهلكة.
صور المستقبل والخيال الإنساني
وهناك من الصور القرآنية نوع آخر يتحدث عن المستقبل، ولكن لا نعرف بعد هل بقي الكثير أم القليل على قدوم هذا المستقبل، من أمثله هذا: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾(النساء:119). فهل هذا له علاقة بالهندسة الوراثية أم بجمع الإنسان الآلة أم هناك ما هو أكبر وأعقد؟! لا أعتقد أننا قد فهمنا هذه النبوءة جيداً بعد. وهناك أيضاً بداية سورة الإسراء ونبوءة المواجهة بين بني إسرائيل و بين عباد الله المؤمنين. والكثير من النبوءات التي لم نفهمها جيداً بعد، وبالتالي فهي مفتوحة لما يتوفر في الواقع من معطيات وأدلة وما يكمله من الخيال الإنساني.
وهناك النوع الآخر من القصص أو النبوءات وهو القصص الذي لا نعلم وقته وزمنه، وهل هو حدث فعلاً في الماضي أم أنه سيحدث في المستقبل أم أنه سيتكرر حدوثه.. ومن أمثلة هذا، قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، وسبب هذا أن القصص القرآني واضح فيه وفي حدوثه، ولكن لم يطلعنا بالتحديد على زمانه أو مكانه. وبالتالي فقد ترك لنا أن نتخيل ما نشاء بشرط أن نتخذ العظة والعبرة المطلوبة لصلاح دنيانا وآخرتنا.
إن القرآن هو كتاب للهداية وتهذيب النفس البشرية، ولذلك فكل ما نتعلمه منه يجب أن يصب في نفس الاتجاه، ولا يجب أن يكون هناك تعارض بين الرسالة التي يحملها القرآن للبشرية وبين ألوان الإبداع التي يمكننا أخذها وتنميتها من هدى القرآن ونوره.
إذن فما يسمى بـ"الخيال العلمي" إذا كتبه أديب مسلم أو سينيمائي مسلم مطلع على دينه و قرآنه فسيعطينا شكلاً مختلفاً تمام الاختلاف، كما سيكون المضمون والمحتوى أقرب لما نؤمن به وأكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية و الفضيلة، ليس فقط في مجتمعاتنا، بل في البشرية جمعاء.

0 التعليقات:
إرسال تعليق